عبد الكريم الخطيب

415

التفسير القرآنى للقرآن

النبي ، ويهيج خواطر الألم والإزعاج في نفسه . قبل أن يصل إليهم . . أضعاف ما كانوا يجدون من ألم وإزعاج ! ذلك أنه - وهو النبي - يألم لآلام الناس جميعا ، ويود لو حملها عنهم ، أو رمى بها في مكان سحيق . . فكيف بما يقع في نفسه من هذا ، للآلام التي يراها في أهله وذوى قرابته القائمين على نصرته ؟ ثم هو من جهة أخرى ، يرى أن ما نزل بأهله من آلام وشدائد ، خلال تلك المحنة ، إنما كان بسببه هو ، وأن ذلك الذي احتملوه من أجله ، لم يكن بسبب العقيدة والدّين ، وإنما كان من أجل القرابة والدم . ولو كان من أجل العقيدة والدين ، لهان الأمر ، ولكان على أصحاب العقيدة أن يؤدّوا ضريبة الدفاع عن عقيدتهم ، لقاء الثواب العظيم الذي ينتظرهم من رب العالمين ! إن الآلام النفسية والروحية ، بل والجسدية ، التي احتملها النبي حلال تلك المحنة التي عاش فيها أهله . . كانت من أقسى ما لقى النبي في طريق دعوته من آلام . . إنه حمل آلام أهله كلها ، وإن ذهب كل منهم بنصيبه منها . . فمن أجل النبىّ احتملوا هذه التجربة القاسية ، وفي سبيل حمايته ، والدفاع عنه ، واجهوا هذه القطيعة المرة ، واحتملوا عبء هذا الحصار المحكم الظالم . ثلاث سنين ! رحلة في العالم الأرضي : وحين بلغ الأمر من الشدة والضيق مداه في نفس النبي ، وأصبح جو مكة ثقيلا خانقا . . أراد - صلوات اللّه وسلامه عليه - أن يلتمس له متنفسا خارج مكة ، لعله يجد أعوانا على الحق ، وأنصارا للخير ، يستمعون له ، ويستجيبون لدعوته . كان لا بد أن يلتمس النبي لنفسه ولدعوته مجالا آخر خارج مكة ، بعد أن